مدريد (إسبانيا)، 27 أغسطس 2026 (واص) – تتواصل في إسبانيا تداعيات واحدة من أكبر عمليات تسريب البيانات المرتبطة بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، بعد أن نشرت مجموعة القرصنة الإلكترونية المعروفة باسم"جبروت" قاعدة بيانات قالت إنها تضم 70,381 اسماً من منتسبي أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، في وقت بدأت فيه أجهزة الأمن الإسبانية، بحسب تقارير إعلامية، عملية فحص ومطابقة للبيانات المسربة لتحديد الأشخاص الذين يوجدون أو سبق لهم أن مارسوا أنشطة داخل الأراضي الإسبانية.
ويأتي التسريب في سياق توتر متصاعد في العلاقات السياسية والأمنية بين مدريد والرباط، وبعد أزمة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة، التي شهدت، وفق المعطيات الرسمية الإسبانية، دخول نحو 70 إلى 80 ألف مهاجر خلال يومي 30 و31 يوليو الماضيين.
وتدعي مجموعة "جبروت" أن لديها معلومات تثبت تورط مسؤولين في أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية في التخطيط للعملية.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، فإن الوثائق التي نشرتها المجموعة تتضمن بيانات مرتبطة أساساً بـالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، وهما الجهازان اللذان يشكلان جزءاً رئيسياً من منظومة الأمن والاستخبارات الداخلية المغربية.
وتقول المجموعة إن القائمة تتضمن هويات ورتباً وبيانات مهنية لأكثر من 70 ألف شخص، فيما أشارت تقارير إلى أن التسريب يتضمن، بحسب الملفات المنشورة، معلومات شخصية مثل تواريخ الميلاد وأرقام وظيفية وتواريخ الالتحاق بالأجهزة وأرقام تسجيل وبطاقات.
وكانت المجموعة قد نشرت، قبل الكشف الكامل عن القائمة، عينة من أسماء عدد من العاملين في الأجهزة المغربية، مرفقة ببيانات شخصية، في محاولة لإثبات امتلاكها قاعدة بيانات أوسع.
وتعتبر وسائل إعلام إسبانية التسريب من أخطر الاختراقات التي تعرضت لها منظومة الأمن المغربية، بالنظر إلى حجمه وإلى حساسية البيانات التي يدعي المخترقون الحصول عليها. ووفق تقارير عن نشاط المجموعة، سبق لها نشر بيانات مرتبطة بموظفي القصور الملكية وبنحو مليوني منتسب إلى منظومة الضمان الاجتماعي المغربية، فضلاً عن بيانات تخص حوالي 3,400 موظف في القصور الملكية.
خمسة أعضاء في السفارة المغربية بمدريد
ومن أبرز ما أثار اهتمام الإعلام الإسباني ما ورد في قاعدة البيانات من أسماء مرتبطة بالبعثة الدبلوماسية المغربية في مدريد.
فقد أفادت صحيفة "ذي ابجيكتيف" ( The Objective) بأنها قارنت الأسماء الواردة في ملف "جابروت" بقائمة الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لدى إسبانيا، وتوصلت إلى وجود خمسة أعضاء من السفارة المغربية في مدريد ضمن القائمة المسربة، وهم موظفون يشغلون رسمياً مناصب دبلوماسية.
وتشمل القائمة، بحسب الصحيفة، كلا من عادل العلمي، خالد لحسيني، طارق سبيل، تامي بلقايد و الأمير العلمي.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة، باعتبار أن بعض هؤلاء يشغلون مواقع متقدمة داخل الهيكل الدبلوماسي المغربي في مدريد. وتقول الصحيفة إن عادل العلمي يشغل رسمياً المرتبة الثالثة في السفارة، فيما يأتي خالد لحسيني في المرتبة الخامسة، بينما يعمل تامي بلقايد ملحقاً للشؤون الداخلية، وهو ضابط في جهاز الأمن المغربي سبق أن عمل في إسبانيا.
وتؤكد هذه الصحيفة أن إدراج هؤلاء الأشخاص في قاعدة بيانات "جبروت" يثبت، بحد ذاته، أنهم مارسوا نشاطاً استخباراتياً في إسبانيا، وإنما يمثل أساساً لعملية التحقق التي قالت إن أجهزة الأمن الإسبانية باشرتها.
11 نائب قنصل مغربي ضمن القائمة
ولم تقتصر الأسماء المرتبطة بإسبانيا على السفارة في مدريد. ففي تطور نشرتهنفس الجريدة اليوم الخميس، قالت الصحيفة إنها عثرت على 11 نائب قنصل مغربي في إسبانيا ضمن القائمة المسربة، بعد مقارنة الأسماء الواردة في التسريب بالقوائم الرسمية للهيئات القنصلية المغربية.
وبحسب المصدر نفسه، يوجد ثمانية من هؤلاء في أربعة قنصليات هي: الجزيرة الخضراء ، برشلونة، لاس بالماس ومورسيا، بواقع نائبَي قنصل في كل واحدة منها، فيما تتوزع الأسماء الثلاثة الأخرى على قنصليات ألميريا وبيلباو وإشبيلية.
وتضم الأسماء التي أوردتها الصحيفة: قاسم الريسوني ويونس اسليماني في الجزيرة الخضراء؛محمد عادل أعراب ومراد الراوي في برشلونة؛ محمد العنكري وحميد لصلع في لاس بالماس؛ محمد الخيام وبوشعيب هدار في مورسيا؛ إضافة إلى العمراني في ألميريا، ومحمد لكبير في بيلباو، وعادل الطاهري في إشبيلية.
وتكتسب بعض هذه المواقع أهمية إضافية بحكم موقعها الجغرافي؛ فالجزيرة الخضراء، على سبيل المثال، تشكل نقطة رئيسية في حركة العبور بين إسبانيا والمغرب، كما أن القنصليات المغربية تضطلع بأدوار واسعة في التعامل مع الجالية المغربية وحركة الأشخاص بين البلدين.
أجهزة الأمن الإسبانية تبدأ التحقق
وفي تطور لافت، أفادت تقارير إعلامية إسبانية بأن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني (CNI) والمفوضية العامة للمعلومات التابعة للشرطة الوطنية شرعا في فحص القائمة التي تضم 70,381 اسماً، من خلال مقارنتها بقواعد البيانات الموجودة لدى الأجهزة الإسبانية.
والهدف، بحسب ما نقلته الجريدة، هو تحديد عدد الأشخاص الواردة أسماؤهم في التسريب ممن يوجدون حالياً في إسبانيا أو سبق أن مارسوا نشاطاً فيها، وكذلك التحقق من وجود صلات حقيقية بينهم وبين أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية.
وتتعامل مصادر أمنية، وفق المصدر ذاته، مع القائمة بحذر، مشيرة إلى ضرورة التحقق من مضمونها وعدم اعتبار جميع الأسماء الواردة فيها عملاء استخبارات بصورة تلقائية، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الوثائق يمكن أن توفر معلومات ذات قيمة لأجهزة الأمن الإسبانية.
21 اسماً في قائمة "الرؤوس الكبيرة"
إلى جانب القائمة الرئيسية، نشرت المجموعة ملفاً منفصلاً يضم 21 اسماً قدمتهم باعتبارهم كبار المسؤولين في هرم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، تحت تسمية "الرؤوس الكبيرة".
ويتصدر هذه القائمة عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية. كما تضم القائمة مسؤولين كباراً في أجهزة الأمن والاستخبارات ومكافحة التجسس والتنصت.
وتتهم"جبروت" عدداً من هؤلاء بالوقوف وراء عملية دخول المهاجرين بأعداد كبيرة إلى سبتة، وتحديداً خلال 30 و31 يوليو، إلا أن وسائل الإعلام التي نشرت هذه المعطيات شددت على أن هذه الاتهامات صادرة عن المجموعة نفسها ولم تثبت بصورة مستقلة.
ومن بين المفارقات التي أثارتها وسائل إعلام إسبانية أن القائمة تتضمن اسم عبد الله خيّام، الرئيس السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، رغم وفاته سنة 2022، وهو ما يشير إلى احتمال وجود أخطاء أو بيانات غير محدثة داخل بعض الملفات، ويؤكد ضرورة التعامل مع التسريب باعتباره مادة تحتاج إلى تدقيق مستقل.
من يقف وراء "جبروت"؟
لا تزال هوية المجموعة ومصدرها الحقيقي غير محسومين. وتشير تقارير إسبانية إلى أن المجموعة ظهرت على الساحة في أبريل 2025، عندما نسبت إليها عملية اختراق وتسريب بيانات مرتبطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المغربي، قبل أن تتوسع عملياتها لتشمل مؤسسات وبيانات حساسة أخرى.
وتتهم السلطات المغربية المجموعة بالارتباط بالجزائر، في ظل التوتر السياسي المعروف بين البلدين، غير أن تقارير إعلامية إسبانية تشير إلى أن هذا الاتهام لم يثبت، وأن خبراء ومصادر استخباراتية يشككون في إمكانية تحديد مصدر المجموعة على أساس المعطيات المتاحة علناً.
كما نقلت جريدة "لاراثون" عن مصادر وتحليلات أن فرضية وجود عنصر سابق في أجهزة الاستخبارات المغربية وراء العمليات لا تزال مطروحة، بالنظر إلى مستوى المعرفة الذي تظهره المجموعة ببنية الأجهزة الأمنية المغربية وطبيعة البيانات التي تمكنت من الوصول إليها.
وتشير تحليلات أخرى إلى أن النشاط المنسوب إلى المجموعة لا يشبه مجرد عمليات قرصنة عشوائية، بالنظر إلى طبيعة الأهداف وحجم البيانات المسربة، فيما تؤكد تقارير أخرى أن هوية الجهة أو الجهات التي تقف خلف المجموعة لم يتم تأكيدها بصورة مستقلة.
تهديد بكشف معلومات مرتبطة ببرنامج "بيغاسوس"
ولا تقف تداعيات التسريب عند حدود الكشف عن أسماء منتسبي الأجهزة المغربية. فقد هددت المجموعة، وفق تقارير إسبانية، بنشر معلومات إضافية مرتبطة باستخدام المغرب لبرنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس:، بما في ذلك ما قالت إنها معلومات تتعلق بهاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
وفي هذا السياق، أعادت القضية إلى الواجهة ملف التجسس المغربي باستخدام برمجيات المراقبة الإلكترونية، الذي كان قد أثار أزمة سياسية في إسبانيا بعد الكشف عن استهداف هواتف مسؤولين إسبان ببرنامج التجسس الاسرائيلي من قبل المغرب.
كما تأتي التهديدات الجديدة بعد تحقيقات دولية نشرت خلال يوليو 2026 معطيات وأدلة جديدة بشأن استخدام المغرب للبرنامج في وقت واصلت فيه الرباط نفي استخدامها لهذا البرنامج رغم التحقيقات السابقة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لإسبانيا بالنظر إلى مستوى التعاون الأمني بين مدريد والرباط خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الاتجار بالمخدرات.
وفي الوقت نفسه، يأتي الكشف عن الأسماء في ظرف شديد الحساسية للعلاقات بين البلدين، على خلفية أزمة سبتة والجدل حول المسؤولية عن التدفق الجماعي للمهاجرين، فضلاً عن استمرار تداعيات ملف بيغاسوس.
وكان وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا قد منح في 2025 عبد اللطيف حموشي وساماً إسبانياً رفيعاً، وهو ما أعادته وسائل إعلام إسبانية إلى الواجهة بعد ظهور اسم حموشي على رأس قائمة "جبروت".
وتعكس المعطيات المتداولة حتى الآن مفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تقدم فيه مدريد الرباط باعتبارها شريكاً أمنياً أساسياً، تكشف التسريبات المزعومة عن شبكة واسعة من الأشخاص المرتبطين، وفق ادعاءات المجموعة، بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، بينهم مسؤولون يعملون بصفة دبلوماسية وقنصلية في إسبانيا.
غير أن الجانب الأهم في القضية يبقى في عملية التحقق التي باشرتها الأجهزة الإسبانية، إذ إن مطابقة الأسماء والبيانات مع السجلات الرسمية قد تحدد مدى صحة الملفات، وعدد الأسماء الحقيقية، وما إذا كانت هناك بالفعل صلات استخباراتية بين الأشخاص المذكورين والأجهزة المغربية.
وفي انتظار نتائج هذا التحقق، تظل قائمة الـ70,381 اسماً تسريباً منسوباً إلى مجموعة قرصنة وليس قائمة قضائية مثبتة لعملاء استخبارات، فيما يمثل وجود أسماء لمسؤولين دبلوماسيين وقنصليين مغاربة في إسبانيا ضمن الملفات المسربة، إذا تأكدت مطابقة الهويات، أحد أكثر جوانب القضية حساسية بالنسبة للأمن والعلاقات الثنائية بين مدريد والرباط. (واص)
090/500/60 (واص)