الشهيد الحافظ، 01 يوليو 2026 (واص)- يمثل المجلس الوطني الصحراوي إحدى أهم المؤسسات الوطنية التي تجسد الإرادة السياسية للشعب الصحراوي في بناء مؤسساته وممارسة حقه في تقرير مصيره، حيث جاء تأسيسه في ظرف تاريخي حاسم اتسم بتصفية الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية ومحاولات الالتفاف على حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال.
وقد شكل المجلس الوطني، منذ نشأته، أداة للتعبير عن السيادة الوطنية الصحراوية، ومؤسسة ساهمت في تنظيم الحياة السياسية والتشريعية والرقابية، وتطورت أدواره عبر مختلف المراحل التي مرت بها القضية الوطنية.
أولا: نشأة المجلس الوطني الصحراوي المؤقت (1975 – 1995)
جاء تأسيس المجلس الوطني الصحراوي المؤقت كرد وطني وتاريخي على التحولات التي عرفتها الصحراء الغربية سنة 1975، وخاصة بعد اتفاقية مدريد التي حاولت القوى الاستعمارية من خلالها فرض واقع جديد يتجاوز إرادة الشعب الصحراوي وحقه في تقرير المصير.
وفي هذا السياق، أعلنت غالبية أعضاء الجمعية العامة الصحراوية التابعة للإدارة الإسبانية حل نفسها، ورفضت أن تكون أداة لتمرير مشاريع التقسيم والاحتلال. وقد وقع 67 عضواً من الجمعية العامة و60 من شيوخ وأعيان المجتمع الصحراوي على إعلان تاريخي تم بموجبه تأسيس المجلس الوطني الصحراوي المؤقت بتاريخ 28 نوفمبر 1975 بمدينة قلتة زمور.
وأعلن أعضاء المجلس انضمامهم إلى الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، مؤكدين رفضهم للمؤامرة الثلاثية الرامية إلى تقسيم الصحراء الغربية وتشريد شعبها ومصادرة حقه في الحرية والاستقلال.
كما وجه المجلس رسائل إلى الهيئات الدولية والإقليمية، دعا فيها المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته التاريخية، وطالب الشعوب المغربية والموريتانية والإسبانية بالوقوف ضد العدوان الذي تعرض له الشعب الصحراوي.
وعقد المجلس الوطني الصحراوي المؤقت أول اجتماع له يوم 30 ديسمبر 1975، حيث ناقش الوضع السياسي والعسكري الذي كان يعيشه الشعب الصحراوي، وسبل مواجهة الأطماع التوسعية، كما بحث تنظيم الإدارة الوطنية وتشكيل هياكل تساعد على تسيير شؤون المواطنين.
وقد أنشأ المجلس خلال هذه المرحلة مجالس بلدية استشارية مؤقتة ولجاناً متخصصة في مختلف المجالات، من بينها:
- لجنة الشؤون الاجتماعية والصحة.
- لجنة الدفاع.
- لجنة العلاقات الخارجية.
- اللجنة الاقتصادية.
- لجنة الداخلية.
- لجنة الأشغال العامة.
- لجنة الفلاحة.
- لجنة التجارة.
- لجنة التعليم والعدل.
وتشكل المجلس في بدايته من 52 عضواً، بينهم أعضاء من المكتب السياسي للجبهة الشعبية ورؤساء الدوائر، وكان يرأسه رئيس ونائب للرئيس، إلى جانب رؤساء اللجان.
وخلال هذه المرحلة، لعب المجلس دور هيئة استشارية وتشريعية أولية، ساهمت في تمثيل الشعب الصحراوي خارجياً، وفي تقديم الرأي والمشورة للقيادة الوطنية، والمشاركة في صياغة التوجهات والسياسات العامة.
غير أن المجلس في هذه الفترة كان يعتمد على التعيين وليس الانتخاب، ولم يكن يتوفر على نظام داخلي متكامل أو إطار قانوني ينظم علاقته بالسلطة التنفيذية.
واستمرت هذه المرحلة إلى غاية المؤتمر التاسع للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب سنة 1995، حيث بدأت مرحلة جديدة في بناء المؤسسة التشريعية والرقابية.
ثانيا: تطور المجلس الوطني الصحراوي (1995 – 2026)
مع التحولات السياسية التي عرفتها القضية الصحراوية، خاصة بعد وقف إطلاق النار سنة 1991 وانطلاق مسار السلام تحت إشراف الأمم المتحدة، برزت الحاجة إلى تعزيز بناء المؤسسات الوطنية وتطوير أدوارها.
وقد أقر المؤتمر التاسع للجبهة سنة 1995 تفعيل دور المجلس الوطني الصحراوي باعتباره مؤسسة تشريعية ورقابية تمارس مهامها بشكل أكثر استقلالية وتنظيماً.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح المجلس الوطني يمارس مجموعة من الصلاحيات، من بينها:
- مراقبة أداء الهيئات والأجهزة التنفيذية على المستويات المحلية والجهوية والمركزية.
- متابعة برامج الحكومة وتقييمها.
- المصادقة على برامج الحكومة أو تعديلها أو رفضها.
- إصدار اللوائح والتوصيات والبيانات.
- القيام بالزيارات الميدانية لمتابعة تنفيذ البرامج.
- توجيه الأسئلة الشفوية والكتابية لأعضاء الحكومة.
- إجراء الاستجوابات وتشكيل لجان التحقيق.
- الاستماع للمسؤولين المكلفين بالملفات الوطنية.
- سن القوانين والتشريعات المنظمة للحياة الوطنية.
- المصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات الدولية.
كما انتقل تشكيل المجلس الوطني من التعيين إلى الانتخاب، فأصبح أعضاؤه يُنتخبون عن طريق الاقتراع السري المباشر من طرف المواطنين الصحراويين.
وشكلت هذه المرحلة تحولاً مهماً في مسار بناء الدولة والمؤسسات، حيث أصبح المجلس يمثل مختلف فئات المجتمع الصحراوي.
وقد حُدد عدد أعضاء المجلس في أول تجربة انتخابية بـ101 عضواً، من بينهم ممثلون عن المناطق المحتلة، كما تم وضع شروط للترشح، من بينها الجنسية الصحراوية، والنزاهة، والكفاءة، والتجربة السياسية أو المهنية.
وقد شهد المجلس الوطني عبر مؤتمرات الجبهة المتعاقبة إصلاحات متواصلة بهدف تعزيز دوره التشريعي والرقابي.
فخلال المؤتمر العاشر سنة 1999، تم تقليص عدد الأعضاء إلى 51 عضواً بهدف تمكين المؤسسة من التركيز على مهام الرقابة والتشريع، بعد أن كان بعض الأعضاء يجمعون بين مهام تنفيذية وتشريعية.
كما تم تنظيم دورات المجلس واعتماد نظام أكثر تخصصاً، مع إمكانية عقد دورات استثنائية عند الضرورة.
وفي المؤتمر الحادي عشر سنة 2003 بمنطقة التفاريتي المحررة، تم تعديل عدد الأعضاء ليصبح 53 عضواً، وربط مدة العهدة بالفترة الممتدة بين مؤتمرين.
أما المؤتمر السادس عشر للجبهة سنة 2023، فقد أقر تقليص عدد أعضاء المجلس الوطني إلى 51 عضواً، مع مراجعة مدة الدورات بما ينسجم مع متطلبات العمل التشريعي والرقابي.
خاتمة
إن مسيرة المجلس الوطني الصحراوي تعكس تطور التجربة المؤسساتية الصحراوية، من هيئة وطنية مؤقتة نشأت في ظروف الحرب والاحتلال، إلى مؤسسة تشريعية ورقابية تضطلع بأدوار أساسية في بناء الدولة الصحراوية.
وقد ظل المجلس الوطني حاملاً لذاكرة التأسيس الوطني، ومدافعاً عن إرادة الشعب الصحراوي وحقوقه المشروعة، ومستحضراً تضحيات رواد الحركة الوطنية وفي مقدمتهم الشهيد المحفوظ علي بيبا الذي ارتبط اسمه بتطور العمل المؤسساتي.(واص)