مدريد (اسبانيا) 10 أكتوبر 2026 (واص)– كشف تحقيق نشرته صحيفة "ال دياريو" الإسبانية، أن إسبانيا تؤدي دوراً محورياً في التجارة الأوروبية بمسحوق وزيت السمك المستخرجين من مياه الصحراء الغربية المحتلة المحتلة، مسلطاً الضوء على ارتباط هذه التجارة باستغلال الثروات البحرية للإقليم، واستمرار تدفق منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية رغم الأحكام القضائية التي أكدت عدم سيادة المغرب على الصحراء الغربية وضرورة الحصول على موافقة شعبها بشأن استغلال مواردها الطبيعية.
ويستند التحقيق، الذي أعده الصحفي إيان أوربينا بالتعاون مع مشروع "ذي أوتلو أوشن بروجكت" (مشروع خارج نطاق القانون في المحيطات) إلى تتبع سلاسل التوريد التي تربط سفن الصيد بمصانع مسحوق السمك، ومصانع الأعلاف، ومزارع تربية الأحياء المائية، والعلامات التجارية ومتاجر بيع المواد الغذائية، في إطار تحقيق دولي شمل أكثر من 1400 مصنع لمسحوق السمك في 64 بلداً.
ويستهل التحقيق بالإشارة إلى الاحتجاجات التي شهدتها الصحراء الغربية سنة 2020، عندما أغلق متظاهرون صحراويون طريقاً لمنع شاحنات من نقل مسحوق السمك من الإقليم في منطقة الكركرات، وتمكنوا من إيقاف نحو 200 شاحنة مغربية وموريتانية.
وجدير بالذكر أن قوات الاحتلال المغربية تدخلت حينها ضد المتظاهرين المسالمين لفتح الطريق، وأطلقت النار على المتظاهرين، قبل أن يرد المقاتلون الصحراويون بإطلاق النار، في مواجهة ارتبطت بانهيار وقف إطلاق النار الذي استمر 29 عاماً بسبب هذا الانتهاك المغربي.
ويربط التحقيق هذه الواقعة بالاستغلال الاقتصادي للثروات الصحراوية، موضحاً أن مسحوق السمك، وهو منتج يُستخرج من خلال طهي الأسماك وطحنها، يُستخدم أساساً في صناعة أعلاف تربية الأحياء المائية والإنتاج الحيواني المكثف.
إسبانيا في صدارة التجارة الأوروبية
ووفقاً للتحقيق، فإن أكثر من 60 بالمائة من المصايد المغربية سنة 2020 جاءت من مياه الصحراء الغربية، بحسب بيانات الحكومة المغربية نفسها، فيما كان يعمل في الإقليم ما لا يقل عن 14 مصنعاً لمسحوق السمك سنة 2025، معظمها مسجل في المغرب وخاضع لسيطرته إلى حد كبير.
وأشار التقرير إلى أن المغرب يمثل أكبر شريك تجاري لإسبانيا في تجارة مسحوق السمك، إذ يوفر نحو ربع وارداتها من هذا المنتج. كما تجاوزت قيمة واردات إسبانيا من مسحوق السمك القادم من المغرب 128 مليون دولار منذ عام 2020، وفق بيانات الميزان التجاري التي استند إليها التحقيق.
وأضاف أن هذه التجارة لا تقتصر على استيراد المنتجات السمكية، بل تشمل أيضاً إدماجها في سلاسل إنتاج غذائي أوروبية. ففي عام 2024، استُخدم مسحوق سمك مستخرج من الصحراء الغربية في أعلاف مزارع لتربية الأسماك في اليونان، كانت تزود سلسلة متاجر «ميركادونا» الإسبانية بأسماك القاروص والدنيس. ولم ترد «ميركادونا»، بحسب التحقيق، على طلب التعليق الذي وجهه إليها معدّوه.
اتفاقيات تجارية دون موافقة الشعب الصحراوي
وتناول التحقيق دور الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في تسهيل دخول الأسماك ومسحوق السمك وزيته المستخرج من مياه الصحراء الغربية المحتلة إلى الأسواق الأوروبية، وتسويق هذه المنتجات زورا باعتبارها مغربية المنشأ.
وأشار إلى أن إسبانيا كانت المستفيد الرئيسي من فرص الصيد المتاحة بموجب الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، موضحاً أن السفن الإسبانية حصلت سنة 2019 على 92 ترخيصاً من أصل 138 ترخيصاً أتيحت للأساطيل الأوروبية.
كما أورد تقييماً لاحقاً أيدته المفوضية الأوروبية، خلص إلى أن 99 بالمائة من المصايد في إطار ذلك الاتفاق جاءت من مياه الصحراء الغربية، رغم عدم حصول الاتفاق على موافقة الشعب الصحراوي.
وأكد التحقيق أن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي خلصت، في عشرة أحكام متعاقبة منذ عام 2015، كان آخرها سنة 2024، إلى أن المغرب لا يتمتع بالسيادة على الصحراء الغربية أو مياهها المجاورة. وأضاف أن أحكاماً وقرارات دولية أخرى أكدت عدم امتلاك المغرب السيادة أو ولاية إدارية على الإقليم.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى التحول الذي شهدته السياسة الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت مدريد تعلن دعمها إجراء استفتاء لتقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة. ففي عام 2022، أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لموقف الاحتلال المغربي.
الهجرة أداة للضغط السياسي
وربط التحقيق بين التحولات في مواقف إسبانيا وبعض الدول الأوروبية وبين استخدام المغرب ملف الهجرة للضغط السياسي. وأشار إلى أن الرباط حذرت الاتحاد الأوروبي سنة 2017 من عواقب عدم التطبيق الكامل للاتفاق التجاري، ملوحة بإمكانية حدوث «تدفق جديد للمهاجرين» وتعريض القارة الأوروبية للخطر.
كما استحضر أحداث مايو 2021، عندما دخل نحو 8 آلاف مهاجر إلى مدينة سبتة خلال ساعات، عقب تخفيف المغرب الرقابة على الحدود، وذلك بعد سماح الحكومة الإسبانية للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي بدخول إسبانيا لتلقي العلاج.
وبحسب قراءة التحقيق، شكلت تلك الأحداث مؤشراً على قدرة المغرب على توظيف ملف الهجرة في علاقاته مع مدريد، قبل أن تعلن الحكومة الإسبانية، في العام التالي، دعمها المقترح المغربي في محاولة لتحسين العلاقات الثنائية.
وتطرق التقرير كذلك إلى خطاب الملك المغربي محمد السادس، الذي تحدث فيه عن تعزيز العلاقات مع روسيا والصين، مع الإبقاء على الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ورفض ما وصفه بالتدخل في السياسة الداخلية للمغرب.
سباق عالمي على مصادر البروتين
ووضع التحقيق استغلال الثروات السمكية الصحراوية ضمن سياق عالمي يتسم بتزايد المنافسة على مصادر البروتين، في ظل ارتفاع الطلب على الغذاء وتنامي الاستثمارات في الإنتاج الحيواني وتربية الأحياء المائية.
وأوضح أن مسحوق السمك وزيته أصبحا من المدخلات المهمة في صناعة الأعلاف، بالتوازي مع سعي حكومات ومستثمرين إلى تعزيز ما يعرف بـ«السيادة البروتينية»، أي تأمين مصادر مستقرة للبروتين وتقليل الاعتماد على الواردات.
واستشهد التحقيق بتنافس الدول الكبرى على المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج الحيواني، ومنها فول الصويا، مشيراً إلى أن المنافسة على مسحوق السمك وزيته ترتبط بالاعتبارات نفسها، لكنها تدور في البحر، بعيداً عن الرقابة الإعلامية والتنظيمية والبيئية.
وفي هذا الإطار، وثّق مشروع «ذي أوتلو أوشن بروجكت» ما لا يقل عن 80 حادثة اضطرابات واحتجاجات مدنية مرتبطة بصناعة مسحوق السمك حول العالم، شملت إضرابات عمالية واحتجاجات مجتمعية، تركزت خصوصاً في الهند وبيرو والسنغال. وأشار التحقيق إلى أن هذه الاحتجاجات اندلعت في حالات عديدة بسبب الروائح المنبعثة من مصانع معالجة كميات كبيرة من الأسماك المتحللة، أو نتيجة تصريف النفايات في المجاري المائية.
كما وثق المشروع حوادث صيد مفرط وتجاوزات في المياه الإقليمية لدول أخرى، من بينها مواجهات بحرية في بحر إيجه، وحادثة في المياه المتنازع عليها بين فيتنام وإندونيسيا، إضافة إلى اضطرابات شهدتها مدينة سانت لويس السنغالية عام 2018، عقب مقتل صياد سنغالي برصاص خفر السواحل الموريتاني إثر دخول قارب صيد إلى المياه الموريتانية.
"استعمار غذائي" واستنزاف للثروات
وتناول التحقيق ما وصفه منتقدو صناعة مسحوق السمك بـ«الاستعمار الغذائي»، في إشارة إلى تحويل مصادر بروتين يمكن أن تُستهلك مباشرة من البشر إلى أعلاف لتربية الحيوانات والأسماك الموجهة إلى الأسواق الأكثر ثراءً.
وأشار إلى أن هذا الاستغلال يجري في وقت يعيش فيه أكثر من 180 ألف صحراوي في مخيمات اللاجئين بالأراضي الجزائرية اعتماداً على المساعدات الإنسانية، بينما تستمر المنتجات السمكية المستخرجة من المياه الصحراوية في الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ولفت التقرير إلى أن مدينة لاس بالماس في جزر الكناري استُخدمت نقطة عبور لمنتجات السمك وزيته القادمة من الصحراء الغربية، كما انتقد دور بعض هيئات اعتماد المنتجات السمكية في إضفاء صفة المنشأ المغربي المزورة على منتجات مستخرجة من الإقليم.
ونقل التحقيق عن المرصد الدولي للثروات الطبيعية في الصحراء الغربية أن شركة "مارين تراست" منحت، بين عامي 2018 و2025، شهادات اعتماد لعشر شركات تعمل في إنتاج مسحوق السمك وزيته أو تصديرهما من الصحراء الغربية، مشيراً إلى أن هذه المنتجات قُدمت على أنها مغربية المنشأ.
وفي هذا السياق، أشار التحقيق إلى حكم محكمة العدل الأوروبية الصادر في أكتوبر 2024، الذي أكد عدم جواز تطبيق الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب على الصحراء الغربية دون موافقة شعبها. ونقل عن ممثل جبهة البوليساريو، أبي بشرايا البشير، وصفه الحكم بأنه تأكيد على «السيادة الدائمة للشعب الصحراوي على موارده الطبيعية».
استثمارات واتفاقيات جديدة رغم الأحكام القضائية
وسلط التحقيق الضوء على استمرار التوجه نحو الاستثمار في الصحراء الغربية، مشيراً إلى أن السلطات المغربية نظمت في مدريد، في أبريل 2024، منتدى للمستثمرين للترويج لفرص الأعمال في الداخلة المحتلة، شملت السياحة والطاقة المتجددة وتحلية المياه والصيد والزراعة.
كما تناول قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في أكتوبر 2025 بشأن الصحراء الغربية، وذكر أن الولايات المتحدة قدمت مشروع القرار الذي أشار إلى المقترح المغربي المرفوض وغير القانوني باعتباره أساساً للحل، مع دعم فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا للقرار.
وأضاف أن مجلس الاتحاد الأوروبي أجاز في يناير 2026 بدء مفاوضات مع المغرب بشأن اتفاق جديد للشراكة في مجال الصيد البحري، وهو تطور اعتبره التحقيق اختباراً جديداً لموقف أوروبا، ولا سيما إسبانيا، من استغلال الثروات البحرية الصحراوية دون موافقة الشعب الصحراوي.
وفي الجانب البيئي، حذر التحقيق الصحفي من آثار الصيد المفرط على المخزونات السمكية في المنطقة، مشيراً إلى أن الأنواع المستخدمة محلياً في إنتاج مسحوق السمك تشمل الإسبرط والأنشوفة والسردينيلا المسطحة والمستديرة. ونقل عن تقرير للمفوضية الأوروبية صدر عام 2023 أن نوعي السردينيلا يعانيان من الاستغلال المفرط، أي إنهما يُصادان بمعدلات تفوق قدرتهما على التكاثر، بما يهدد استدامة مخزونهما في المنطقة.
ويأتي التحقيق ضمن عمل دولي أعده فريق من الصحفيين التابعين لمشروع «ذي أوتلو أوشن بروجكت»، ومقره واشنطن، لتتبع الآثار الخفية لصناعة مسحوق السمك على الموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد الغذائي والمجتمعات المحلية حول العالم. (واص)
090/500/60 (واص)