جنيف (مجلس حقوق الإنسان)، 8 سبتمبر 2026 (واص)– أكد سفير جمهورية موزمبيق لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف، اليوم الثلاثاء، أن قضايا تغير المناخ وحقوق الإنسان وحماية البيئة والموارد الطبيعية وحق الشعوب في تحديد مستقبلها "مرتبطة بعمق"، مشددا على أن الانتقال العالمي نحو الطاقة المتجددة يجب أن يكون انتقالا عادلا.
جاء ذلك في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها السفير الموزمبيقي خلال ندوة على هامش الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان الأممي، تحت عنوان "العدالة المناخية وحقوق الإنسان في سياق الاحتلال الأجنبي"، والتي احتضنها مقر المجلس بجنيف من الساعة الثانية إلى الثالثة بعد الظهر، بإشراف من مجموعة جنيف لدعم الصحراء الغربية التي يترأسها السفير هذه السنة.
وأوضح السفير الموزمبيقي أن موضوع الندوة يجمع أسئلة كثيرا ما يتم التعامل معها بصورة منفصلة، تتعلق بتغير المناخ وحقوق الإنسان وحماية البيئة والموارد الطبيعية وحق الشعوب في تقرير مستقبلها، مؤكدا أن هذه القضايا مترابطة بشكل وثيق.
وقال إن بلاده، باعتبارها دولة إفريقية تواجه عواقب تغير المناخ، تدرك أن التحديات البيئية ليست مجرد مسائل مجردة، وإنما تؤثر على سبل العيش والأمن الغذائي والمجتمعات والتنمية نفسها، مشيرا إلى أن الاستجابة لتغير المناخ لا يمكن اختزالها في الحلول التكنولوجية وحدها.
وأضاف أن التحول المنشود يجب أن يكون أيضا "تحولا عادلا"، موضحا أن العدالة تقتضي النظر ليس فقط إلى ما يتم تطويره من حلول بيئية، وإنما كذلك إلى مكان تطويره، وكيفية ذلك، ولصالح من، وبمشاركة من.
وأكد أن هذه الاعتبارات تكتسي أهمية خاصة في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي أو حيث تظل مسألة تقرير المصير دون حل، معتبرا أن الصحراء الغربية توفر سياقا مهما لدراسة هذه المبادئ.
وأشار في هذا السياق إلى أن الإقليم يمتلك موارد طبيعية مهمة وإمكانات معتبرة في مجال الطاقة المتجددة، وأن أنشطة اقتصادية تطورت حول الفوسفات والصيد والطاقة، فيما بدأت تظهر أيضا استثمارات جديدة مرتبطة بالتحول العالمي في مجال الطاقة المتجددة.
وأكد السفير الموزمبيقي أهمية الطاقة المتجددة في مواجهة أزمة المناخ، لكنه شدد على أن كون النشاط متجددا لا يجيب، في حد ذاته، عن الأسئلة الأوسع المتعلقة باحترام القانون والمشاركة والإنصاف والعدالة.
وفي هذا الإطار، طرح الدبلوماسي لاأفريقي عددا من الأسئلة، قائلا: من يقرر كيفية استخدام هذه الموارد؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يتحمل عواقبها البيئية والاجتماعية؟ وهل شارك الأشخاص الذين تتعلق بهم هذه الأراضي والموارد بصورة ذات مغزى في هذه القرارات؟
وشدد على أن هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة في سياق الصحراء الغربية، لأن استغلال الموارد الطبيعية، كما أكد، لا يمكن النظر إليه بصورة منفصلة عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وأشار إلى أن القانون الدولي اعترف منذ فترة طويلة بحق الشعوب في التصرف بحرية في ثرواتها ومواردها الطبيعية، موضحا أن هذا المبدأ ليس اقتصاديا فحسب، وإنما يرتبط بصورة وثيقة بالكرامة والمشاركة وقدرة الشعوب على صياغة تنميتها الخاصة.
وبناء على ذلك، أكد أن الحكامة البيئية في إقليم تحت الاحتلال الأجنبي لا يمكن التعامل معها فقط من خلال مفردات الاستثمار والبنية التحتية والنمو الاقتصادي، وإنما يجب أن يتم تناولها أيضا من خلال الحقوق والمساءلة والمشاركة.
وفي معرض حديثه عن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، أكد السفير الموزمبيقي أن العالم يحشد بصورة صحيحة موارد مهمة لتسريع الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مشيرا إلى أن إفريقيا تمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة وينبغي أن تكون مستفيدة رئيسية من هذا التحول، الذي يجب ألا يؤدي إلى شكل جديد من أشكال التنافس على الموارد، بحيث تصبح الحاجة الملحة إلى العمل المناخي مبررا لتجاهل حقوق الشعوب.
وقال إن "التحول لا يمكن اعتباره عادلا إذا كان الأشخاص المعنيون غائبين عن القرارات التي تشكل مستقبلهم".
كما أكد أنه لا يمكن فصل الاستدامة البيئية عن قضايا الحكامة، مشيرا إلى أن حماية النظم البيئية والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية واحترام حقوق الإنسان ينبغي أن تعزز بعضها بعضا.
وشدد في هذا السياق على أهمية المشاركة ذات المغزى، موضحا أن المشاركة لا ينبغي أن تفهم فقط باعتبارها تشاورا بعد اتخاذ القرارات، وإنما ينبغي أن تعني أن الأشخاص المعنيين لديهم فرصة حقيقية للتأثير في القرارات التي تمس أراضيهم ومواردهم الطبيعية وبيئتهم وأولوياتهم التنموية.
وأكد أن هذه المسألة تكتسي أهمية خاصة عندما تكون المشاريع واسعة النطاق وطويلة الأمد وقادرة على إحداث تحول جوهري في النظم البيئية والاقتصادات المحلية.
وأكد السفير أن موزمبيق ترى أن مبادئ العدالة المناخية ينبغي تطبيقها بصورة متسقة، بما في ذلك في الحالات التي تظل فيها القضايا السياسية والإقليمية دون حل.
وشدد على أن "التحول الأخضر يجب ألا يصبح وسيلة لتطبيع أوضاع يواصل القانون الدولي التعامل معها"، داعيا في الوقت نفسه إلى عدم إغفال الهدف الأوسع المتمثل في ضمان أن يسهم العمل المناخي في التنمية المستدامة، ويحمي حقوق الإنسان، وألا يترك أي شعب خلف الركب.
واعتبر أن النقاش حول الصحراء الغربية لا يتعلق بإقليم واحد فقط، وإنما يطرح سؤالا أوسع على المجتمع الدولي، يتعلق بإمكانية بناء تحول عالمي عادل حقا مع فصل الاستدامة البيئية عن حقوق الإنسان وتقرير المصير والقانون الدولي.
وقال إن موزمبيق تؤمن بأنه لا يمكن الفصل بين هذه القضايا، مشيرا إلى أن الأجندة المناخية الموثوقة يجب أن تكون سليمة بيئيا، وأن أجندة حقوق الإنسان الموثوقة يجب أن تحمي حقوق الأشخاص المتأثرين بالتنمية، وأن النظام الدولي الموثوق يجب أن يضمن ألا تأتي الأنشطة الاقتصادية على حساب المبادئ الأساسية.
وفي ختام كلمته، جدد السفير الموزمبيقي التأكيد على التزام بلاده بالتعددية، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وحق الشعوب في تقرير المصير، والاستجابة المناخية القائمة على الإنصاف والعدالة.
كما رحب بالنقاش، وشجع على مواصلة التفكير في كيفية توجيه القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية البيئة للسياسات الاقتصادية وسياسات الطاقة في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي.
وختم بالتأكيد على أن العدالة المناخية لا تتعلق فقط بمستقبل كوكب الأرض، وإنما أيضا بمن يملك الحق في تشكيل ذلك المستقبل.
ويشارك في تنشيط الندوة عدد من الخبراء والشخصيات السياسية والحقوقية، حيث تولى السفير جيرالدو غونشالفيس ميغيل ساراغا، الممثل الدائم لجمهورية موزمبيق والرئيس الحالي لمجموعة جنيف لدعم الصحراء الغربية، تقديم الكلمة الافتتاحية، فيما قدم السفير أبي بشرايا البشير، مستشار رئيس الجمهورية الصحراوية الخاص ورئيس لجنة الموارد الطبيعية والشؤون القانونية، الملاحظات الختامية للندوة.
من جهة أخرى استمع الحضور لمداخلات كل من ميغيل أوربان كريسبو، العضو الاسباني السابق في البرلمان الأوروبي (2015–2024) والناشط السياسي المعروف باهتمامه بحقوق الإنسان والعدالة الدولية وقضية الصحراء الغربية؛ والدكتور البريطاني نيك بروكس، المتخصص في التفاعلات بين البيئة والإنسان والتكيف مع تغير المناخ؛ وإريك هاغن، عضو مجلس إدارة المرصد الدولي لثروات الصحراء الغربية من النرويج، الذي يتابع منذ عام 2002 تورط الشركات الأجنبية في نهب ثروات الصحراء الغربية، ويشغل كذلك منصب مدير لجنة الدعم النرويجية للصحراء الغربية.
كما شاركت أيضا الدكتورة أندريا ماريا بيليكوني، المحاضرة في قانون حقوق الإنسان بجامعة ساوثهامبتون والباحثة في قضايا الهندسة الديموغرافية والتهجير القسري والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والإبادة الجماعية في القانون الدولي، وتتولى مهمة تسيير وإدارة الندوة الناشطة البيئية والحقوقية الجنوب أفريقية، كاثرين كونستانتينيدس. (واص)
090/500/60 (واص)