تدهور متزايد لصورة المغرب لدى الرأي العام الإسباني على خلفية توظيف المخزن ورقة الهجرة وتنامي تهريب المخدرات

crowds1
خميس 20/08/2026 - 19:02

مدريد (إسبانيا) 20 أغسطس 2026 (واص)- تشهد صورة المغرب وعلاقاته مع إسبانيا تدهورا متزايدا، على خلفية توالي الأزمات المرتبطة بملفي الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات، إلى جانب تنامي الانتقادات الموجهة إلى الرباط بشأن طريقة تعاملها مع هذه الملفات، التي باتت تلقي بظلالها على التعاون الأمني والسياسي بين البلدين وعلى نظرة الرأي العام الإسباني إلى المغرب.

وتأتي أزمة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة الإسبانية في صدارة هذه التطورات، بعدما شهدت المدينة، نهاية يوليو الماضي، تدفقا غير مسبوق لآلاف الأشخاص القادمين من المغرب، في مشهد أعاد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة إلى الرباط باستخدام الهجرة ورقة للضغط السياسي على إسبانيا، وما يترتب عن ذلك من تداعيات على أمن الحدود الإسبانية واستقرار الضفة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

وتشير شهادات إعلاميين مغاربة، أوردتها مصادر صحفية، إلى أن ظاهرة الهجرة الجماعية لا يمكن فصلها عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، في ظل الفقر والبطالة والاختلالات البنيوية. فقد وصف الإعلامي توفيق بوعشرين ما حدث بأنه من أكبر موجات العبور الجماعي في تاريخ سبتة، مشيرا إلى أن أكثر من 70 ألف شاب غادروا المغرب نحو مدينة لا يتجاوز عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة.

ويكتسي هذا المعطى دلالة خاصة، بحسب شهادات الإعلاميين المغاربة أنفسهم، إذ إن استمرار عدد من المهاجرين في سبتة رغم ظروف التشرد والجوع، ورفضهم العودة إلى المغرب، يعكس، في تقديرهم، مستوى عميقا من اليأس الاجتماعي، ويكشف أن الهجرة لم تعد مجرد ظاهرة مرتبطة بعوامل فردية، بل أصبحت تعبيرا عن أزمة ثقة متنامية في المستقبل داخل البلاد.

وفي هذا السياق، رفض الإعلامي المغربي خالد البكاري اختزال الظاهرة في مؤامرات خارجية، معتبرا أن أسبابها الحقيقية ترتبط، أساسا، بـ"عناصر بنيوية في كيفية إدارة الدولة"، في ظل اتساع دائرة الفقر وارتفاع البطالة وتنامي الفوارق الاجتماعية. كما اعتبر أن الاحتجاجات المرتبطة بالعطش والصحة والتعليم والسكن والبنيات التحتية، إلى جانب محاولات الهجرة غير النظامية، تعكس وجوها مختلفة لأزمة اجتماعية عميقة.

غير أن تداعيات أزمة سبتة تجاوزت بعدها الاجتماعي الداخلي لتعيد طرح إشكالية توظيف المغرب لورقة الهجرة في علاقاته مع إسبانيا. فقد أثارت طريقة تعامل الرباط مع موجات العبور الجماعي انتقادات واسعة، خصوصا في ظل ما اعتبره منتقدون صمتا رسميا خلال الأيام الأولى للأزمة، قبل صدور تصريحات أمنية مقتضبة لم تتناول، بحسب تلك الانتقادات، الأسباب الاجتماعية والسياسية الكامنة وراءها.

وتزامن ذلك مع توتر آخر يتعلق بمصير ضحايا عملية الاقتحام الجماعي لسبتة، حيث أفادت مصادر إعلامية إسبانية بأن المغرب رفض، في مرحلة لاحقة، استلام عدد من جثث مواطنين مغاربة لقوا حتفهم خلال العملية، وهو ما أضاف بعدا إنسانيا مؤلما إلى الخلافات القائمة بين البلدين، وأثبت الاتهامات التي تؤكد أن المخزن لا يهتم لأرواح أبنائه، ولا يكترث لمعاناتهم بقدر ما يستغلهم كورقة ضغط وتهديد ضد جيرانه الاسبان.

 المخدرات.. مصدر آخر لتدهور صورة المغرب

ولا تقتصر مظاهر التوتر على ملف الهجرة، إذ يشكل تهريب المخدرات القادم من المغرب أحد أبرز الملفات التي تثير قلق السلطات الإسبانية والأوروبية، في ظل توالي عمليات ضبط شحنات كبيرة وتفكيك شبكات تنشط في نقل الحشيش وغيره من المخدرات إلى السوق الأوروبية.

ففي إسبانيا، تتواصل العمليات الأمنية ضد شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة ضبط أكثر من طن من الحشيش قرب الجزيرة الخضراء، فضلا عن إحباط عمليات أخرى في جزر الكناري وجزر البليار. وتشير المعطيات الواردة في المصادر الإسبانية إلى أن الحشيش القادم من المغرب لا يزال يمثل مصدرا رئيسيا لهذه المادة نحو السوق الأوروبية.

وفي عملية أخرى بجزر الكناري، تمكنت الأجهزة الأمنية الإسبانية من إحباط إدخال نحو 400 كيلوغرام من الحشيش وتوقيف 11 شخصا، بعدما رصدت عملية إنزال شحنة قادمة عبر البحر، كانت معدة للتوزيع داخل الأرخبيل أو لنقلها إلى مناطق أخرى من إسبانيا.

كما تكشف المعطيات الأوروبية عن بعد مالي أكثر تعقيدا للظاهرة. فقد أفادت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية "يوروجاست" بتحقيق دولي كشف عن غسل ما لا يقل عن 18 مليون يورو من عائدات الاتجار بالمخدرات، عبر تحويل الأموال إلى ذهب، قبل نقل السبائك والصفائح الذهبية إلى عدد من الدول، من بينها المغرب. كما تجاوزت الأصول المرتبطة بالشبكة 30 مليون يورو، فيما ضبطت السلطات الفرنسية أكثر من 50 كيلوغراما من سبائك الذهب المخبأة.

وتضع هذه القضية المغرب ضمن مسار مالي دولي مرتبط بعائدات الجريمة المنظمة، وفقا للمعطيات الواردة عن التحقيق الأوروبي، وهو ما يضيف إلى ملف المخدرات بعدا يتجاوز عمليات التهريب المباشر ليشمل غسل الأموال وتحويل عائدات الأنشطة الإجرامية إلى أصول قابلة للنقل والإخفاء.

 من أزمة ثنائية إلى مشكلة أوروبية

ولا تقتصر التداعيات على ملفي الهجرة والمخدرات، إذ يتزامن تصاعد التوتر مع تنامي خطاب مغربي يطالب بإنهاء الوجود الإسباني في مدينتي سبتة ومليلية، وهو ما بدأ يثير حساسية متزايدة داخل إسبانيا، باعتبار أن الأمر لا يتعلق، في نظر قطاعات من الرأي العام الإسباني، بمواقف هامشية أو ظرفية، وإنما بخطاب يلامس مباشرة وحدة التراب الإسباني ومستقبل المدينتين. وقد أعادت الأزمة الأخيرة، وما رافقها من تدفق جماعي نحو سبتة، هذا الجدل إلى الواجهة، وسط مخاوف من أن تتحول الأزمة إلى مناسبة لإعادة تدويل النقاش حول وضع المدينتين وفرض المطالب المغربية بشأنهما على الأجندة الأوروبية والدولية.

ولا يبدو هذا التوجه منفصلا عن سياق أوسع في السياسة المغربية، إذ إن المطالب المتعلقة بسبتة ومليلية ليست جديدة، بل تندرج ضمن تصور توسعي ظل حاضرا في الخطاب والممارسة السياسية المغربية منذ عقود. ومن هذه الزاوية، فإن استغلال أزمات الهجرة أو الأزمات الحدودية لإعادة طرح ملف المدينتين قد يضيف بعدا جيوسياسيا جديدا إلى التوتر المغربي الإسباني، ويعمق شعور الصدمة والقلق لدى الإسبان إزاء احتمال استخدام أدوات الضغط غير التقليدية، ليس فقط للتأثير في سياسات مدريد، وإنما أيضا لإعادة فتح ملفات إقليمية ظلت تعتبرها إسبانيا محسومة في إطار سيادتها على المدينتين.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن صورة المغرب لدى قطاعات من الرأي العام والمؤسسات الإسبانية والأوروبية باتت مرتبطة بصورة متزايدة بملفات الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وهي ملفات ذات حساسية مباشرة بالنسبة للأمن الأوروبي.

فإذا كانت الرباط تراهن، منذ سنوات، على التعاون الأمني والهجرة لتقديم نفسها كشريك أساسي للاتحاد الأوروبي، فإن تكرار أزمات العبور الجماعي، وتوالي عمليات ضبط المخدرات القادمة من المغرب، وظهور المملكة في تحقيقات أوروبية مرتبطة بغسل عائدات المخدرات، تطرح تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا التعاون ومدى فعاليته.

والأهم من ذلك، أن توظيف الهجرة كأداة ضغط سياسي، في حال تأكدت الاتهامات الموجهة إلى الرباط في هذا الشأن، لا يضر فقط بالعلاقات المغربية الإسبانية، بل يقوض الثقة التي يفترض أن تقوم عليها الشراكات الأوروبية في مجال إدارة الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة.

وفي المقابل، تكشف الشهادات الصادرة عن إعلاميين مغاربة عن مفارقة لافتة: فبينما تحاول السلطات المغربية، وفق منتقديها، تفسير موجات الهجرة الجماعية بعوامل خارجية، يرى إعلاميون من داخل المغرب أن جذور الظاهرة تكمن في أزمات الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي والاختلالات البنيوية. وقد وصف علي أنوزلا موجة سبتة بأنها "أكبر استفتاء شعبي" عبّر من خلاله أكثر من 70 ألف مغربي عن رغبتهم في مغادرة البلاد.

وهكذا، يبدو أن المغرب يواجه على الضفة الإسبانية تحديا يتجاوز أزمة ظرفية مرتبطة بالهجرة أو المخدرات، ليطال الثقة السياسية والأمنية في شريك يفترض أن يكون ركيزة للاستقرار على الحدود الجنوبية لأوروبا؛ فيما تكشف الأزمات المتتالية عن فجوة متزايدة بين الصورة التي تسعى الرباط إلى تقديمها عن نفسها كشريك أمني موثوق، وبين الوقائع والملفات التي تفرض نفسها على الأجندة الإسبانية والأوروبية. (واص)

090/500/60 (واص)

Share