موقع "بان أفريكانست": «ترشّح الجمهورية الصحراوية لمجلس السلم والأمن الإفريقي ينسف السردية الاستعمارية للمغرب"

Peace and security council meeting
أربعاء 14/01/2026 - 17:59

أديس أبابا (إثيوبيا)، 14 يناير 2026 (واص)- نشر موقع "بان أفريكانست" المتخصص في الشؤون الأفريقية اليوم مقالاً تحليليا تفاعل فيه مع الترشح الرسمي للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي للفترة (2026–2028)، معتبراً أن هذه الخطوة تشكّل ضربة تاريخية موجعة للسردية الاستعمارية الجديدة التي يروّج لها المغرب بشأن الصحراء الغربية، ومؤكداً أنها تُسقط بالكامل منظومة الدعاية والتضليل المغربيين.

ومع استعداد الدول الإفريقية للتصويت المقرر في فبراير 2026، والذي سيضع الجمهورية الصحراوية في مواجهة مباشرة مع المغرب، يتناول هذا التحليل الأسباب التي تجعل مجرد وجود اسم الجمهورية الصحراوية على ورقة الاقتراع انتصاراً سياسياً وأخلاقياً حاسماً على الاستعمار في الصحراء الغربية.

وفيما يلي النص الكامل للمقال ورابطه:

ترشّح الجمهورية الصحراوية لمجلس السلم والأمن الإفريقي ينسف السردية الاستعمارية للمغرب

بقلم: البان أفريكانست / 14 يناير 2026

ما كان يُقدَّم في البداية على أنه انتخابات إقليمية روتينية لشغل مقعد في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، يتكشف بسرعة على أنه سيكون واحدة من أكثر المواجهات السياسية تأثيراً في تاريخ الاتحاد الإفريقي. فقد أعاد قرار الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الترشح لمقعد شمال إفريقيا للفترة 2026–2028 رسم المشهد السياسي برمّته، كاشفاً تناقضات السردية المغربية الراسخة بشأن الصحراء الغربية وهشاشتها، وصولاً إلى انهيارها الكامل. وفي الوقت ذاته، من المرتقب أن تكشف هذه العملية عن الاصطفافات السياسية الحقيقية لعدد من الدول الإفريقية، إذ ما تزال بعض الحكومات، وللأسف، تقدّم دعمها لقوة احتلال تنتهج سياسات تعكس أجندة الاستعمار الجديد (النيوكولونيالي)، ويتعارض نموذج حكمها مع المبادئ التأسيسية للاتحاد، كما أن سلوكها أدخلها في نزاعات متكررة مع جيرانها الأفارقة وغير الأفارقة على حد سواء.

ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات خلال الدورة العادية للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي في فبراير 2026، حيث ستضع الجمهورية الصحراوية في منافسة مباشرة مع كل من المملكة المغربية ودولة ليبيا. غير أن ما يتجاوز الآليات الإجرائية للتصويت هو تنامي قناعة واسعة لدى المراقبين بأن الجمهورية الصحراوية قد حققت بالفعل انتصاراً سياسياً حاسماً، قوامه الشرعية، والحضور، وإعادة التأكيد على المبادئ المؤسسة لإفريقيا.

وعلى مدى عقود، سعى المغرب إلى فرض سرديته الاستعمارية الجديدة التي تنكر وجود الجمهورية الصحراوية، مقدِّماً احتلاله غير الشرعي للصحراء الغربية على أنه أمر محسوم و«ملف مغلق». غير أن هذه السردية باتت اليوم في حكم المنهارة. فبموافقته على التنافس مع الجمهورية الصحراوية في مسار انتخابي رسمي داخل الاتحاد الإفريقي، اضطر المغرب إلى نقض دعايته بنفسه. فلا أحد يخوض حملة ضد "دولة غير موجودة"، ولا يسعى إلى هزيمة "كيان غير موجود"! وبقبوله هذا التنافس، يكون المغرب قد أقرّ ضمناً بوجود الجمهورية الصحراوية كحقيقة سياسية وكندٍّ مؤسسي له داخل الاتحاد الإفريقي وعلى الصعيد الدولي.

وهذا بحد ذاته يمثّل هزيمة استراتيجية للمغرب، تستبق صناديق الاقتراع وتتجاوزها.

أما الرمزية فبالغة الدلالة، حيث أن طرفان منخرطان في آخر نزاع تصفية استعمار غير محسوم في إفريقيا يواجه أحدهما الآخر اليوم داخل أكثر هيئات الاتحاد حساسية في مجال السلم والأمن. وستظهر الجمهورية الصحراوية على ورقة الاقتراع ذاتها، ووفق القواعد نفسها، وتخضع للتقييم من قبل الدول الإفريقية نفسها، جنباً إلى جنب مع قوة الاحتلال التي تنكر وجودها. وبالنسبة لاتحاد تأسس على نضالات التحرر، ومقاومة الهيمنة الاستعمارية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن الرسالة واضحة ولا لبس فيها.

ومن منظور دبلوماسي، يجد المغرب نفسه محاصَراً في معادلة خاسرة في كل الاحتمالات. فإذا فاز بالمقعد، فلن يفعل ذلك إلا عبر هزيمة جمهورية يدّعي أنها وهم، ما يعني الاعتراف بها عملياً وإسقاط عقود من الإنكار. وإذا خسر أمام الجمهورية الصحراوية، فستكون الضربة تاريخية: هزيمة على يد الشعب الذي سعى إلى محو وجوده. وحتى في الحالة الثالثة إذا لم يحصل فيها أي من الطرفين على المقعد، فإن ذلك سيظل دليلاً على فشل المغرب في تهميش الجمهورية الصحراوية أو تحييدها داخل المؤسسات الإفريقية، مؤكداً استمرار نفوذها وشرعيتها.

وفي تعليقه على الموضوع قال دبلوماسي إفريقي مطّلع على مجريات العملية: «في جميع السيناريوهات الممكنة، يخسر المغرب معركة السردية. فمجرد وجود الجمهورية الصحراوية في هذا السباق يكشف ضعف الدعاية المغربية وواقع عزلتها ككيان استعماري جديد في خدمة الإمبريالية والصهيونية".

ويزيد التباين في الالتزام القاري من حدة مأزق المغرب. فقد كانت الجمهورية الصحراوية عضواً مبدئياً وثابتاً في المشروع الوحدوي الإفريقي منذ انضمامها إلى منظمة الوحدة الإفريقية عام 1982. وهي عضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي، وساهمت بفاعلية في إنشاء مؤسساته الأساسية، بما فيها مجلس السلم والأمن. ويستند ترشحها إلى سجل طويل من الالتزام بالرؤية الإفريقية الجماعية القائمة على الوحدة، والعدالة، والسلم، وتصفية الاستعمار.

وفي المقابل، انسحب المغرب من المنظمة القارية عام 1984 في لحظة حاسمة من تاريخ إفريقيا، متخلياً عن التضامن الإفريقي لصالح العزلة عن القارة. وخلال غيابه الطويل، عمل المغرب ضد التوافق الإفريقي واصطف مع قوى خارجية، مروجاً في كثير من الأحيان لأجندات غير إفريقية صاغتها المصالح الاستراتيجية لفرنسا وإسرائيل وبعض دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة. وحتى بعد عودته، ظل يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره عنصراً نشازاً، يسعى إلى تمييع مهمة تصفية الاستعمار الإفريقية بدلاً من الدفاع عنها، ويغذّي الانقسام بدل تعزيز الوحدة والانسجام.

وعليه، فإن ترشح الجمهورية الصحراوية يتجاوز في دلالاته مجرد التنافس على مقعد واحد. فهو يعيد وضع قضية تصفية الاستعمار غير المكتملة في صميم الأجندة الإفريقية، ويؤكد من جديد المبادئ الجوهرية للاتحاد، وفي مقدمتها المساواة في السيادة، والتحرر، ومقاومة الاحتلال غير الشرعي. كما يبرهن على أن كل الضغوط الدبلوماسية أو الهندسة الدعائية للسرديات لا يمكنه محو حق شعب في تقرير مصيره أو إقصاءه من الحياة المؤسسية الإفريقية.

وبينما تتداول العواصم الإفريقية قبيل التصويت، تبدو حقيقة واحدة جلية: إن ادعاء المغرب بأن قضية الصحراء الغربية «حسمت» قد انهار تحت وطأة هذا الاستحقاق الانتخابي. ففي محاولته هزيمة الجمهورية الصحراوية عبر صناديق الاقتراع، فعل المغرب ما عجزت عنه عقود من الاحتلال والدعاية: لقد اعترف، أمام القارة بأسرها، بأن الجمهورية الصحراوية موجودة، وصامدة، وتبقى فاعلاً لا يمكن تجاوزه في بنية السلم والأمن الإفريقية.

وبهذا المعنى، تكون الجمهورية الصحراوية قد حسمت بالفعل أهم معركة، لا معركة انتخابات فحسب، بل معركة الشرعية، والحقيقة، وضمير إفريقيا الجمعي." (واص)

090/500/60  (واص)

Share