الشهيد الولي : الشخصية التي أشعلت شرارة الثورة الصحراوية المعاصرة وأسّست لكيانها الوطني" (مقال)

الوالي
ثلاثاء 09/06/2026 - 13:15

الشهيد الحافظ، 09 يونيو 2026 (واص)- تحلّ هذا العام الذكرى الخمسون لاستشهاد الولي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو والرمز التاريخي للثورة الصحراوية المعاصرة و الشخصية المحورية في تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية،الذي سقط شهيداً في التاسع من يونيو 1976 وهو في عزّ عطائه. خمسون عاماً مرّت، والقضية التي حمل لواءها لا تزال حيّة، والشعب الذي أيقظ وعيه السياسي لا يزال ماضياً في مسيرته التحررية المظفرة.
 
بمناسبة هذه الذكرى الخمسين، نضع بين أيديكم الترجمة العربية لمقال تحليلي صدر باللغة الإسبانية لكل من المدعي العام لدى المحكمة العليا الإسبانية، السيد فيليبي بريونيس، وسفير الجمهورية الصحراوية بكينيا، السيد محمد ليمام محمد عالي سيد البشير — وهما من أهدانا عام 1997 السيرة الذاتية للولي، تحت عنوان "الولي: الحرية لحظة لا تُنتظر". يعود الكاتبان اليوم في مقالهما ليضعا فكر الشهيد الولي في مواجهة وضعنا الراهن: فكره في التنظيم، ومقاربته في الكفاح المسلح، ونظرته في بناء التحالفات، ثلاثة دروس لم تشخ ولم تنتهِ.
 
ان استذكار الولي مصطفى السيد وبصيري ومحمد عبد العزيز وسائر شهدائنا الأبرار ليس واجب وفاء فحسب، بل دعوة للتفكير والتأمل. فهؤلاء الرموز لم يتركوا لنا تماثيل نعبدها، بل تركوا لنا تجارب وأفكارا نتعلم منها،أفكاراً نناقشها ونجددها. والمشروع التحرري الذي لا يتغذى من إرث شهدائه ولا يطوره لا يمضي إلى الأمام، بل يتحول الى ذكرى بلا روح. 
 
في الذكرى الخمسين لاستشهاد الولي مصطفى السيد 
التاسع من يونيو 1976 — التاسع من يونيو 2026
 
يُعدّ الولي الشخصية التي أشعلت شرارة الثورة الصحراوية المعاصرة وأسّست لكيانها الوطني، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. وقد استُشهد قبل خمسين عاماً، في التاسع من يونيو 1976
.
بقلم كل من فيليبي بريونيس* ومحمد ليمام محمد عالي.*
 
كان لنا شرف كتابة السيرة الذاتية لزعيم الثوار قبل ثلاثة عقود. وفي مقدمة ذلك الكتاب «الولي: الحرية لحظة لا تُنتظر» يستذكر الكاتب والصحفي والشاعر والباحث ذو الأصول  الموريتانية ، صحراوي الهوى و الهوية، الراحل أحمد بابا مسكه، الرفيق على النحو التالي: «كان الولي نعمة، كان هبة من الخالق لهذا الشعب في لحظة فريدة من وجوده. لم يكن من الممكن أن يُثير رحيله المبكر سوى الاستياء، باعتباره طامة كبرى وخسارة لا تُعوَّض. كان لدى الولي مهمة يجب أن ينجزها، وهي إيقاظ شعبه، وإعادة الأمل إليه، وتوحيده، وتوجيه المسار المقدَّر له لقيادته نحو مرحلة جديدة من تاريخه. ومن المفارقات أن رحيله كان له دور إيجابي بارز واستثنائي في هذا المسار. فبدلاً من صنع الإحباط وإضعاف المعنويات وزعزعة الاستقرار، وتلك المشاعر المثبطة التي كان من الممكن توقعها، أدّى الألمُ والغضبُ، على العكس من ذلك، إلى إرادة جماعية لمواصلة إرث الشهيد واتباع قدوته، وان نكون جديرين بتضحيته. وكما كان هو نفسه يتمنى في حياته، أصبح كل صحراوي، منذ تلك اللحظة، يرغب في أن يكون «ولي». ومن هنا نشأت روح تنافس مذهلة ومحفزة، وديناميكية متفجرة كانت نتائجها مذهلة. وعلى خطى الولي — ولكن دائماً معه، لأنه كان أكثر من أي وقت مضى المرشدَ والملهمَ والرمزَ والمثالَ — كان المقاتلون الصحراويون والناشطون، رجالاً ونساءً، والدبلوماسيون يندفعون في مجالاتهم المختلفة لتحقيق إنجازات لا مثيل لها بالوسائل المتاحة لهم.»
 
كرّس الشهيد الولي خير جهوده وعمره لثلاثة ميادين:
 
أولاً: الميدان الداخلي — الخبرة التنظيمية أساسُ العمل الوطني، حلّل الولي الواقع الصحراوي بنهج أتاح له الاقتراب مباشرة من المواطنين، وتفكيك المفاهيم والأفكار الاجتماعية والسياسية التي تؤثر على حياتهم أفراداً وشعباً. وقد أتاحت هذه المعرفة الأساسية تقييم العمل من زوايا متعددة: العدد، ومستوى التطور التقني والتنظيمي، وطبيعة الثقافة وخصائص المجتمع، وأهمية كل عنصر في ضوء إمكاناته للتطور مستقبلاً. وكل ذلك مع الأخذ في الاعتبار واقع اللجوء المفروض على الشعب الصحراوي. ولهذا السبب يجب أن يُكرَّس جزء من التحليل لفهم الوضع الداخلي للعدو، وقوته البشرية، وهيكله الاقتصادي، وتناقضاته، وطبيعة مشاكله، ونظامه السياسي، وطموحاته الإقليمية، وعلاقاته وتحالفاته الداخلية والخارجية. وبذلك يمكن الكشف عن نقاط ضعفه وإلحاق الضرر الكافي به، وإجباره على الاعتراف بما كان ينكره حتى ذلك الحين. منطقياً، تتطلب الأداة اللازمة وجود شعب منظم متماسك، قادر ومحترم في وطنه. ويمر الطريق نحو هذه الأهداف عبر البناء الذاتي في جميع المجالات: البشرية، والمادية، والتنظيمية، والفكرية. وبما لا مفرّ منه، دعم نظام شعبي ديمقراطي ينبثق حقاً من القاعدة والإرادة الشعبيتين.
 
وإن لم يمتلك هذا الشعب سوى وحدته مع عزمٍ راسخ ومعرفة عميقة، فإنه قادر على مواجهة أي موقف يعترض طريقه. إنه مدعوٌّ إلى العمل الثوري حتى لو لم تتوافر لديه جميع الشروط اللازمة، غير أن الانطلاق والمثابرة في العمل كفيلان بخلق تلك الشروط. والعمل الثوري، كما يشير اسمه، هو فعلٌ لا ردة فعل. إنه المبادرةُ لا الانتظار. وبحكم طبيعتها الثورية، يجب الانطلاق دون توافر جميع الوسائل، إذ إنها لا تتوافر دائماً بالوتيرة المطلوبة. فالانطلاق يكون دائماً في ظل غياب التكافؤ مع القوى والوسائل التي يمتلكها العدو. إن حجم المكاسب وقوة التماسك اللازمة لتحقيقها في مواجهة عدو متفوق عدداً ومادةً، يتطلبان من هذا الشعب — فضلاً عن وحدته — أن يتمتع بخصوصية استثنائية، ليس فقط لموازنة هذا العدو، بل وقبل كل شيء لتحقيق النصر. وهذه الخصوصية هي قوة التنظيم التي يمكنها ضمان هذا القدر من التصميم. إن التواصل الدائم مع القاعدة الشعبية لشرح الأفكار ومناقشتها، هو أحد الشروط التي كان الولي يطالب بها أُطر الطليعة الثورية، لأن تجميع شروط العمل والنصر النهائي يعتمد إلى حد كبير على قدرات هذه الكوادر.
 
ثانياً: الميدان العسكري — أداة العمل الوطني: أصرّ الولي على أن الواقع الذي فُرض على الشعب الصحراوي هو واقع ظالم مهين يجب رفضه من خلال الوسيلة الأكثر قوة: الكفاح المسلح. وأصرّ على ضرورة تبنّي مفهوم التضحية القصوى، لأن اغتصاب حق كالحرية يستوجب السخاء بالدم إذا أردنا استرداده. ويجب أن يكون العمل المسلح عملاً وطنياً منظماً خالياً من أي ارتجال أو عفوية، وهو ما لن يتحقق إلا با التأسيس لجيش التحرير الشعبي الصحراوي (ELPS). وإدراكاً منه لأهمية هذا الجانب وحساسيته، أصرّ منذ البداية على أن يكون في الصفوف الأمامية وفي الخطوط الأكثر خطورة. وقد شاءت الأقدار أن يقود الولي أولَ عملية عسكرية لجبهة البوليساريو، التي أُسر فيها. وقاد آخر عملياته القتالية، فكان فيها شهيداً، ليُخلّد بأنفاسه الأخيرة صفحةً من التضحية الفريدة والتفاني اللامحدود في سبيل القضية الوطنية.
 
ثالثاً: الميدان الدبلوماسي — إقامة التحالفات لترسيخ الحق الوطني: منذ أيام دراسته، كان الولي يعتقد بصدق أن تطلعات الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال ستلقى دعماً من المنظمات التقدمية في المغرب وموريتانيا، لأن الشعوب الثلاثة كانت ضحايا إما للاستعمار الأجنبي في حالة الشعب الصحراوي، أو لأنظمة رجعية متحالفة مع القوى الاستعمارية في حالة الشعبين المغربي والموريتاني. غير أنه مع مرور الوقت وتصاعد تضحيات الشعب الصحراوي في النضال، تراجعت مواقف تلك المنظمات التقدمية حتى اختلطت مع سياسات الأنظمة نفسها فيما يتعلق بالقضية الصحراوية. وقد تركت خيبة الأمل تلك، إلى جانب تراجع إسبانيا عن التزاماتها تجاه الصحراء الغربية، تأثيراً عميقاً على فكر الشهيد الولي. لذا كان تنظيم المقاومة وبث الروح المعنوية وشحذ همم الصحراويين في ظل حالة الحصار أكبر تحدٍّ للولي. فقد فرضت هذه الظروف على شعبه — القليل العدد والمحدود الموارد والخبرة — أصعب اختبار في تاريخه. فكان من الضروري في نظر الولي بذل جهد حازم لضمان تحالفات تدعم الثورة معنوياً ومادياً. وغدت الجزائر وليبيا الدرع التاريخية لتلك الثورة. وليس من المبالغة القول إن جميع المراحل اللاحقة من نضال الشعب الصحراوي تأثرت بهذا الواقع. وقد كانت مساهمةُ الزعيم الصحراوي ومثابرتُه في تشكيل هذه الجبهة حدثاً تاريخياً.
 
لقد عاش الولي من الداخل البؤس المادي لشعبه على الرغم من الموارد الهائلة في باطن الأرض الصحراوية، وعاش القهر على الرغم من عظمة الشعب الصحراوي وفخره. عاش تفاصيل المصير الذي كان يُدبَّر في دوائر أجنبية ضد شعبه الذي كان موته مخططاً له. لذلك، عندما أعلن الثورة، فعل ذلك تعبيراً عن رفض عميق للظلم والبؤس.
وقد تميّز الولي بجملة من الخصائص القيادية النادرة: فقد كان يعتقد دائماً أن الثورة كانت نتيجة للمراحل السابقة من النضال الصحراوي، ولا سيما مرحلته الأخيرة التي مثّلتها الحركة الطليعية وقائدها سيد إبراهيم بصيري. كان يتمتع بقدرة هائلة على صنع التاريخ وتغيير مسار الأحداث من منظور بعيد المدى. ونجح في تحويل اليأس والخوف اللذين خيما على اللاجئين الفارّين من قصف النابالم والفوسفور الأبيض، إلى نصر وفرح وتحدٍّ غداة إعلانه ميلاد الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. لم يعرف الولي السلطة من منظور العرش المتعالي، ولا من زاوية تدبير الشؤون خلف أبراج عاجية منيعة، بل فهمها على أنها تضحية دائمة وأمانة تُحمَل.
 
التاسع من يونيو ــــــ يوم الشهداء، سيبقى تاريخا مكرَّساً لالتزام مستمر بالولاء والحرية والعدالة والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي والكرامة الإنسانية، ووعداً بالمساواة في المواطنة. يوم نتذكر فيه من سقطوا حتى يتمكن هذا الشعب من العيش بكرامة على أراضيه، ويتثبت فيه الإيمان الراسخ بأن السيادة تبقى ملكاً حصرياً للشعب الصحراوي ولا يمكن لأحد أن يحل محله أو يتجاهل موافقته. على الشعب أن يتأمّل هذا التاريخ وأن يُدرك أهمية استذكار جميع الشهداء الصحراويين، ولا سيما محمد سيد إبراهيم بصيري، والولي مصطفى السيد، ومحمد عبد العزيز، باعتبارهم مرجعيات تاريخية وشخصيات رمزية وقادة يجب دراسة تجاربهم وأفكارهم بعمق وفهمها وتجديدها، لأن أي عمل بشري قابل للتحسين والارتقاء. على الشعب الصحراوي أن يختار التجديد والنقد الذاتي اللازمَين للمضي قدماً، من خلال فهم إرث الشهداء والنهل من فكرهم.
 
* فيليبي بريونيس بيبيس ، مدعٍ عام إسباني رفيع المستوى يعمل في القسم الجنائي بالمحكمة العليا الإسبانية.
 
* محمد ليمام محمد علي سيدي البشير، سفير الجمهورية الصحراوية لدى جمهورية كينيا.(واص)

Share